
«لقد علمت أخيرًا أين حبسوا والدي وأخي، تحت الخيام في الصحراء، لقد ذهبت إلى هناك، ولقد طاردونا في باديء الأمر بالهراوات؛ أمي وأنا، ولكننا كنا نعود إليهم ونحن نصيح بأسماء ذوينا حتى يعلموا أننا لن نتخلى عنهم، وأننا هنا بالقرب منهم، ولقد انتهى بي الأمر إلى التسلل داخل إحدى هذه الخيام، كان شيئًا مريعًا، وجه واحد يتكرر في كل مكان: وجه أزرق، هذيل، يتدلى منه اللسان. إن المرضى ينام بعضهم بجوار البعض، الآخر فوق الرمال يقيئون، اثنان منهما قد فارقا الحياة فتركوها في مكانهما.. وناديت مرة أخرى، فإذا بهم ينظرون إلي في بلادة وبله… ودخل أحد الممرضين ينتعل حذاء ضخمًا ويرتدي قناعًا، فدفعني إلى الخارج.. قبل أن أعثر على أهلي، إن الذين لم يعيشوا كل هذا، لا يعرفون شيئًا… لن أنسى ذلك ما حييت، ومنذ ذلك الحين ونحن نخفي مرضانا، بل وحتى موتانا».
الاقتباس السابق من رواية «اليوم السادس» (1960) للكاتبة المصرية الفرنسية أندريه شديد، والتي تدور حول محاولة الجدة صديقة إنقاذ حفيدها المصاب بالكوليرا، حيث تخفيه عن أعين الناس حتى لا يراه أحدهم فيبلّغ عنه، لأن أهل قريتها يقولون لها إن الذي يذهب للحجر الصحي لا يعود. الرواية حولها يوسف شاهين لفيلم سينمائي عام 1986 حمل نفس الاسم.
لكن بخلاف ذلك التمثيل الفني؛ ماذا تقول الكتب التأريخية عن الكارانتينا في مصر، متى وكيف، وماذا كانت ردود الفعل الشعبية عليه. نستعين في هذا المقال، بما ورد ذكره عن الحجر الصحي، في كتاب «كل رجال الباشا» لخالد فهمي (1997)، و«عجائب الآثار في التراجم والأخبار» (1822) للجبرتي، و(أرواح في خطر، الصحة العامة، فى مصر فى القرن التاسع عشر» (1990) للافيرن كونكة، و«الأوبئة والأمراض في المجتمع المصري في النصف الأول من القرن العشرين 1902-1947» لنسمة سيف الإسلام سعد.
يذكر كتاب «كل رجال الباشا» لمؤلفه خالد فهمي أن مصر أصيبت في النصف الأول من القرن التاسع عشر، بأوبئة فتاكة مثل الجدري، والطاعون، والكوليرا، ما دعا السلطات لاتخاذ إجراءات جذرية لمواجهتهم.
في عام 1812 مع موجة الطاعون في عصر محمد علي اقترح طبيبه الإيطالي غيطاني بك، أن يحد من دخول السفن الآتية من إسطنبول والمصابة بالطاعون، وفي العام التالي مع انتشار الطاعون في جميع نواحي الدلتا عبر محمد علي عن رغبته في إقامة حجر صحي «كارانتينا» في الإسكندرية لحجر المصابين بالطاعون.
وفي موجه أخرى من موجات المرض عام 1828 أمر محرم بك زوج ابنة الباشا ومحافظ الإسكندرية بأن يستشير القناصل الأجانب في المدينة لوضع مسودة للوائح الحجر الصحي وتنفيذها في الإسكندرية.
لكن في عام 1831 وصل تفشى وباء الكوليرا في مصر للذورة، وفتك بنحو 150 ألف مواطن من إجمالي عدد المواطنين البالغ 3.5 مليون نسمة. جاء المرض على دفعات في عدة مدن مصرية، وتوفى في القاهرة وحدها 28 ألف نسمة من إجمالي ربع مليون خلال 28 يومًا فقط، وعلى إثر ذلك تجمدت الإسكندرية من الخوف، وهنا اقترح ميمو القنصل الفرنسي في الإسكندرية تشكيل إدارة صحية لمتابعة الوباء المتفشي.
طور محمد علي ذلك الاقتراح من تنظيم الهيئة القنصلية الأوروبية مجلسًا لحماية المدنية الساحلية ذات الميناء، ووعد بتنفيذ أي إجراء يقترحون للصالح العام. تجمع 17 ممثلاً قنصليًا، وعينوا لجنة مكونة من خمسة أفراد كأول مجلس إدارة لـ«الكارانتينا» في الإسكندرية: القنصل العام لإنجلترا وفرنسا والنمسا وتوسكانيا وروسيا. وكان مما قام به ذلك المجلس إنشاء كردون حول الإسكندرية، وتعيين أطباء أوروبيين مفتشين في محطات على طول الطريق وفي الأسواق.
وعن تكوين ذلك المجلس يخبرنا كتاب (أرواح في خطر، الصحة العامة، فى مصر فى القرن التاسع عشر)، تأليف «لافيرن كونكه» ترجمه للعربية الدكتور أحمد زكى أن إجراءاته تمثلت في ثلاثة:
الأولى: استخراج الشهادات الصحية التي تصدر لصالح السفن عند مغادرة الميناء.
الثاني: فترات الاحتجاز المسماة «كورنتينا»، المفروضة على السفن والركاب والحمولة التي يرجع أصلها إلى الميناء الذي تخرج منه ويصدر في حقها حكم بأنها مصابة بالمرض.
الثالث: المنشآت الصحية للاحتجاز والعزل المسماة «معزل الحميات».
لكن تلك الجهود المبذولة باءت بالفشل لأن الكوليرا اجتاحت الإسكندرية، وبنهاية أغسطس تجاوزت حصيلة الوفيات اليومية 100 فرد. تعد تلك المحاولة وفق كتاب «كل رجال الباشا» هي المحاولة الأولى من نوعها للسيطرة دوليًا على المرض.
بالإضافة إلى المصالح التجارية كان الهم الأساسي الآخر عند محمد علي مع انتشار الوباء في مصر كلها؛ هو حماية أفراد الجيش الذي ضربهم المرض، وهم على وشك الذهاب إلى سوريا حيث مات 5000 جندي و2000 بحار، من جيش تعداده 90 ألفًا، لذلك أمر وزير الجهادية بعزل الجيش عن المدنيين إلى تخوم الصحراء.
يذكر الكتاب، أن دافع حماية الجيش من الأوبئة، كان سببًا رئيسيًا في إنشاء نظام صحي في مصر، حيث أراد محمد علي أن يضع حدًا للأوبئة لأنه رآها عقبة أمام طموحاته التوسعية، في بناء دولة قوية له ولسلالته من بعده. والسبب الثاني؛ تمثل في تأثير تلك الأوبئة على سمعة مصر، مما قد يوقف حركة الصادرات التجارية التي توردها بها مصر للدول الأوروبية.
يحكي خالد فهمي في كتابه «كل رجال الباشا» أن الجنود اعتبروا «الكارانتينا» تدخلًا فظًا في حياتهم، حاولوا بكل السبل تجنبه، حتى بلغ الأمر بحفر خنادق حول معسكرات الجنود، مثلما حدث في يوليو 1832 للجنود المصريين تحت قياد ابراهيم باشا في الشام، وذلك حتى لا يهربوا من الحجر الصحي المفروض عليهم.
الجدير بالذكر أن الكارنتينا لم تكن مجرد حجرًا صحيًا لضمان السلامة الصحية، ولكنها كانت ساحة للصراع على النفوذ بين الدول الأعضاء فيها خاصة في ظل «الروح القومية الملتهبة في القرن التاسع عشر» على حد تعبير كتاب «أرواح في خطر» حيث أيضًا التنافس السياسي والاقتصادي لتكوين الإمبراطوريات الاستعمارية في ذلك الزمان.
ومن الأمثلة على ذلك ما حدث عام 1838 حينما ظهر الطاعون على سواحل سوريا بناءً على المعلومات الواردة من إبراهيم باشا الذي أسس محطات كارانتينا في موانيها، وعليه كانت ضرورة وضع كل السفن تحت الملاحظة. ولكن أعضاء مجلس الكارانتينا في الإسكندرية رفضوا، وعليه استقال رئيس المجلس، ما دعا محمد علي إلى تمصير الكارانتينا. وفي عام 1840 عين طاهر أفندي، ظابط الاتصال المصري رئيسًا دائمًا للكرنتينة، وفي أغسطس 1841 تم إعلان مسؤولية المجلس أمام الوالي وبعدها بشهرين أرجع المسؤولية الفنية للمجلس الإدارة الصحية للسلطان العثماني في الأستانة.
يذكر الجبرتي في كتابه «عجائب الآثار في التراجم والأخبار» (1822) أنه مع يناير من كل عام كان موعد انتشار الطاعون في مصر، وكانت تقام الكارانتينا في كلا من الإسكندرية ودمياط. وعندما ظهر الطاعون في القاهرة عام 1813 أمرت الشرطة كل السكان بتهوية ملابسهم بنشرها خارج الدور؛ وكنس ورش الشوارع والحفاظ على نظافتها طوال الوقت.
يضيف الجبرتي أن أهل الجيزة على وجه الخصوص تمت معاملتهم بقسوة شديدة لمدة ثلاث سنوات، وذلك لأن الباشا الكبير كان يقضي حجره الصحي في سنواته الأولى بالجيزة، مما انعكس على سكانها، حيث خلال هذه الفترة كان ممنوع عليهم الخروج من دورهم، ولو كان لسد نقص مؤنهم. وفرض عليهم الحصار لمدة 60 يومًا مدة الحجر للباشا هناك. يعلق الجبرتي على ذلك «عانى سكان الجيزة عناءً شديدًا.. وذلك بسبب الخوف الصريح».
بشكل ما كان هناك رفضًا شعبيًا للكارانتينا من قبل الأهالي، وهو ما تذكره الباحثة نسمة سيف الإسلام سعد في كتابها «الأوبئة والأمراض في المجتمع المصري في النصف الأول من القرن العشرين 1902-1947» حيث تسجل أن أحد مظاهر ذلك الاعتراض أنه في ديسمبر 1834 ومع دخول وباء الطاعون إلى الإسكندرية، وصل الأمر إلى إطلاق الرصاص على أرباب الأسر الذين لم يقوموا بالإبلاغ عن موت أحدهم بالطاعون، ما دعا الأهالي ورجال الدين منهم بتكوين وفد، والذهاب إلى الوالي لإعلان احتجاجهم ضد الإجراءات المتجاوزة للحدود في التعامل معهم، والتي شملت الطريقة التي يفحص بها أجساد الضحايا إلى الحجر الصحي في مواكب، مما أثار الرعب في نفوس الناس حتى لا يتم إجبارهم على ترك منازلهم حيث كانت عائلات المتوفين تترك منازلهم أيضًا.
مع وصولنا إلى عام 1902 يذكر الكتاب أن الشدة في التعامل مع المرضى وذويهم استمرت، وأنها كانت سببًا في ارتفاع الوفيات بسبب إخفاء الأهالي للموتى والمصابين بالأمراض عن أعين الحكومة، لأن الأهالي رأوا في رسل مفتشي الصحة والبوليس «رسل الموت» نتيجة أنهم كانوا يسحبون المريض كالشاة وهي في طريقها للذبح، مع حرق أثاث منزل المصاب بما فيه بغرض التطهير. ولكن ذكر الكتاب أيضًا، أنه في حال التعاون مع الأهالي برفق وتعليمهم خطورة الأمراض كانوا يستجيبون. مثلًا تذكر جريدة «الأهرام» في عدد 2 سبتمبر بإشادة للعمد وحلاقي الصحة ومفتش الصحة في مركز كوم حمادة التابع لمحافظة البحيرة الذين كانوا يطوفون الشوارع للتأكد من كنسها ورشها بالمواد المطهرة، في بلدة اليهودية إحدى بلاد المركز لم يصب أحد بالكوليرا فيها.
في الثلث الأخير من فيلم «صراع الأبطال» (1962) الذي أخرجه توفيق صالح، وتناول فيه وباء الكوليرا الذي اجتاح مصر عام 1947، تأتي إشارة إلى بوليس القرية تفيد بتفشي وباء الكوليرا، حسب نتيجة العينات التي كان قد أرسلها الطبيب (شكري سرحان) للمدينة، لكي يتم تحليلها، بعدما لاحظ تزايد عدد الوفيات بأعراض متشابهة. تُكلف الداخلية الطبيب بالتعامل مع المرض، ويتم تجنيد كافة الإمكانيات الأمنية والطبية، ليأمر الطبيب البوليس: «سد جميع مداخل ومنافذ البلد واطلب نجدة من المديرية لحد ما كل واحد يطعّم».
انتصار القرية على المرض جاء بعد معاناة الطبيب من أجل كسب ثقة الأهالي سواء تمثلت تلك المعاناة في صراعه مع الخرافات في تعاملهم مع المرض، أو مع إقطاعي القرية الذي كان يؤلب الأهالي عليه حتى يظلوا تحت رحمته. تلك المعاناة التي عانها الطبيب كان سببها تجهيل الأهالي وفقرهم، وهو ما لخصه هو بنفسه في مشهد من مشاهد الفيلم الأخيرة:
«الفقر هو الوباء الحقيقي، الفقر هو اللي جاب لنا الكوليرا، وهيجيب لنا أمراض كتير لو ما اتكاتفناش ضده، الكوليرا كشفت لنا المرض الحقيقي الفقر».
بالعودة إلى رواية «اليوم السادس»، وعندما تظهر أعراض وباء الكوليرا على مُعلم «حسن» حفيد بطلة الرواية صِديقة بالكوليرا، يطلب من حسن بأن يحضر الإسعاف. تقاوم صِديقة إحضار عربة الإسعاف «هذا جنون، إنهم إن أخذوك فلن نراك بعد ذلك أبدًا». يرد عليها المُعلم أنه رجل مثقف، والمثقف يذهب إلى المستشفى، ثم يوجّه حديثه إلى حسن: «بعد ستة أيام سأكون قد شفيت، لا تنسى ما أقوله لك، في اليوم السادس، إما أن تموت أو تبعث من جديد»
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
أعرف أكتر