
توقفت الحياة في مصر تقريبًا مع بداية الأسبوع الثالث من مارس لمواجهة انتشار فيروس كورونا المستجد «كوفيد-19». في اليوم الأول لقرار إغلاق المحال التجارية، من السابعة مساءً حتى السادسة صباحًا، ذهبت مجبرًا إلى بيت صديق بعد أن أغلقت المقاهي، وانضم لنا أصدقاء آخرون حتى منتصف الليل.
كان فيروس كورونا ضيفًا ثقيلًا على كلامنا رغم اتفاقنا على تجنبه، ولم يتوقف أحد منا عن متابعة إجراءات الدول الأخرى لمواجهة الوباء عندما يمسك بهاتفه. تبادلنا صور الأشعة المقطعية التي بثتها الوكالات الصينية لرئات المصابين، وقد تآكلت خلاياها من تأثير الفيروس.
بعد أسبوع من ذلك اليوم، أغلقت المطاعم والمقاهي بالكامل، ودخلت مصر في حظر تجوال من السادسة مساءً حتى السادسة صباحًا، وأرغمنا على التماسف الاجتماعي -أي اتخاذ مسافة- والتزام البيت. لم أتوقف عن متابعة بيانات وزارة الصحة وزيادة معدل الإصابات اليومي في مصر.
شعرت ذات ليلة أثناء تفحص مواقع السوشيال ميديا بضيق في التنفس، وأصابني شك بانتقال الفيروس لي، وبدأت أفكر في كيفية انتقاله. أبحث عن اللحظات التي اختلطت فيها بالشارع والأيام التي مرت حتى بداية ظهور الأعراض.
تخيلت أن الفيروس يعدّ أنفاسي تنازليًا، سيزداد ضيق التنفس، وكلما ازداد مقدرًا اقترب مني الموت، وخرجت إلى البلكونة لأتنفس الهواء وأطرد الخوف مع زفيري بعدما بدأت أدرك أنها نوبة هلع.
بمجرد أن استيقظت في اليوم التالي تناولت هاتفي للإطلاع على الأخبار. «بوست» من وزارة الصحة من صفحتها على فيسبوك بتخصيصها خط ساخن لتقديم الدعم النفسي للمواطنين المتواجدين في المنازل. عزمت على الاتصال بالرقم لتلقي المساعدة.
يتبع الرقم هيئة تسمى «الأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان»، وهي الجهة المسؤولة عن 18 مستشفى حكومي متخصص في الدعم النفسي في مصر. وقد أعلنت عن خدمة الدعم النفسي عبر نفس الرقم من قبل لمرضى الاكتئاب في صفحتها على فيسبوك، حيث درّبت 150 أخصائيًا نفسيًا على تقديم الدعم النفسي للمواطنين عن بعد، بحسب بيان سابق للأمانة.
رغم ذلك المجهود، لم يستفد من تلك الخدمة المجانية سوى 830 مواطنًا فقط، طوال عام 2018، أي بمعدل نحو مكالمتين يوميًا، بحسب بيان رئيسة الأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان، مُنَنْ عبدالمقصود.
تروج الأمانة العامة للصحة النفسية لأنشطتها من خلال صفحتها على فيسبوك ذات الـ25 ألف متابع، ولها موقع إلكتروني لم يشهد تحديثًا منذ عام 2017. كذلك، تتمتع على يوتيوب بأربعة آلاف متابع، لكنها لم تنشر فيديوهات على مدار العامين الماضيين.
عادت الأمانة مجددًا من بداية شهر أبريل لتقديم فيديوهات تشمل نصائح خلال فترة العزل عن التعامل مع الأطفال ذوي اضطراب فرط الحركة في المنزل، والحفاظ على السلامة النفسية لكبار السن، والتعامل مع مرضى الزهايمر، وفيديوهات أخرى.
يقول الأمين السابق لصندوق النقابة العامة للأطباء، خالد سمير، لـ«مدى مصر» إن «الطب النفسي لا يزال مثل قطاعات أخرى في مصر يحتاج للاهتمام بشكل أوسع من جانب النظام السياسي». يضيف أنه بالنظر إلى نسبة انتشار الاكتئاب، وشيوع الأمراض العضوية التي يرجع سببها أحيانًا إلى الضغط النفسي، مثل أمراض القلب والأوعية الدموية، فنحن بحاجة إلى العمل لصالح ذلك القطاع «بشكل أكثر ابداعًا».
يظهر آخر مسح لوحدة الأبحاث بالأمانة العامة للصحة النفسية، والذي اعتمد على مقابلات مع 22 ألف أسرة من جميع محافظات مصر، أن واحدًا من بين كل أربعة مواطنين في مصر معرض للإصابة باضطراب نفسي. الاكتئاب كان أكثر الاضطرابات انتشارًا في المسح، وأوصت نتائج المسح الصادر في عام 2017 بتكراره مرة أخرى للحصول على نتائج أدق والتوصل إلى أسباب تلك النتائج.
جرّبت الاتصال على الرقم الساخن «0220816831» الذي يعمل من التاسعة صباحًا حتى الثامنة مساءً، قبل أن يتم تفعيله منذ أيام على مدار اليوم. سمعت رسالة مسجلة «للاستعلام عن الخدمات المقدمة اضغط 1. للشكاوى اضغط 2. للاستفسارات النفسية اضغط الرقم 3… واعلم عزيزي المتصل أن هذه المكالمة سيتم تسجيلها».
لم يمر دقيقتين حتى أجاب شخص على المكالمة.
-اتفضل!
ترددت للحظة عندما لم يعرفّني مستقبل الاتصال بنفسه، واضطررت لتقديم نفسي أولًا، وبعملي في الصحافة الذي يفرض عليّ متابعة الأخبار اليومية لانتشار الوباء في مصر، وبشعور الشك الذي صار يلازمني من احتمالية الإصابة بالعدوى، ثم كررت طلبي بمعرفة مع من أتحدث قبل أن استمر في المكالمة.
– أ.ا، أخصائي اجتماعي في الأمانة.
بدأ يتحدث دون السماح بمقاطعته حتى ينتهي: «طبعًا إحنا عارفين إن فيه وباء متفشّي في العالم، المرض من عند ربنا سبحانه وتعالى، والقلق أحيانًا ممكن يكون إيجابيًا وأحيانًا ممكن يكون سلبيًا، المهم إن علينا أن نقبل بالوضع لأنه قدر من ربنا سبحانه وتعالى».
لم يكن في صوته إيقاعًا ينمّ عن التفاعل، وبدت نبرة صوته مثل ضيف في أحد البرامج الإخبارية على الراديو وقت الذروة.
نصحني بتنظيم روتين لأنشطة المنزل، والتدريب الدائم على التنفس بأخذ شهيق ثم زفير ثلاث مرات للحد من نوبات ضيق التنفس. وعندما أخبرته أن نوبات ضيق التنفس كانت تصيبني منذ الصغر، أخبرني أن طبيبًا سيتصل بي في اليوم التالي للتحدث معي.
في عام 2018-2019 خصصت الحكومة ما يقرب من 687 مليون جنيه من الموازنة العامة لصالح «مستشفيات الصحة النفسية»، تقسّمها الأمانة العامة للصحة النفسية، بعد اقتطاع نصيبها، بين الـ18 مستشفى الحكومي في مصر، بحسب سمير.
يَعرِف سمير تلك الأرقام جيدًا. يقول لـ«مدى مصر» إن الإشكالية في الأموال المخصصة من موازنة الدولة، رغم قلتها، إلا أن جزءًا كبيرًا منها يعود إلى وزارة المالية في نهاية العام المالي. السبب الأول أن القائمين على الإدارة لا يستطيعون صرف الأموال في أوجه جديدة. أما السبب الثاني هو الأعراف البيروقراطية التي تفترض أن «المدير اللي يرجع فلوس من ميزانيته يبقى شاطر وياخد مكافأة لأنه بيوفر أموال الدولة».
وفقًا لموقع الأمانة العامة، فإن عدد الأطباء العاملين بمستشفيات الصحة النفسية حوالي ألف طبيب، إلى جانب ثلاثة آلاف ممرض، و354 أخصائيًا نفسيًا واجتماعيًا، وألفين من العاملين الإداريين.
كانت تلك المستشفيات في السابق تابعة لمديريات الصحة في المحافظات. لكن في عام 1993، أطلق جهادي اسمه صابر فرحات النار داخل فندق «سميراميس» وقتل أميركيين وفرنسي وإيطالي. اتهمته وزارة الداخلية التي كانت تحارب الجماعات الإسلامية وقتها بأنه مختل عقليًا، ولم تعترف بميوله الجهادية أو تصف الحادث بالإرهابي.
بعد التحقيق معه في النيابة العامة، أودع صابر في مستشفى الخانكة الذي كان يتبع مديرية الصحة بمحافظة القليوبية وقتها. وبعد أربع سنوات، في سبتمبر عام 1997 هرب صابر من المستشفى، وارتكب مع شقيقه حادث تفجير حافلة سياحية أمام المتحف المصري. قتل في التفجير تسعة سائحين ألمان وسائقهم المصري. تلك المرة، أكد وزارة الداخلية بالمستندات أن صابر مختل عقليًا وهارب من مستشفى الخانكة.
بعد هذا الحادث، اهتمت الحكومة بمستشفيات الصحة النفسية. صدر قرار جمهوري بضم مستشفيات الصحة النفسية لجهة إدارية موحدة تشرف عليها، وتأسست «الأمانة العامة للصحة النفسية». عين على رأسها في منصب الأمين العام للأمانة، اللواء، طبيب منصور مختار، في الثلاث سنوات الأولى، ثم توالي رؤساء مدنيين لدى الأمانة. وبعد تعيين هالة زايد وزيرة للصحة، جاءت مُنَنْ عبدالمقصود، كأول سيدة تتولى منصب رئيس الأمانة.
في عام 2017، قدمت الأمانة خدمات الصحة النفسية إلى 675 ألف مريض في مستشفيات الصحة النفسية. وبحسب بيان بالأرقام للدكتورة مُنَنْ عبدالمقصود، الأمين العام للأمانة، فإن المرضى الذين ترددوا على العيادات النفسية بلغ عددهم 527 ألف مريض، فيما استقبلت عيادات الأطفال والمراهقين 39 ألف حالة للأطفال و22 ألف مراهق، وبلغ عدد الزيارات لعيادات الإدمان 87 ألف زيارة.
في اليوم التالي لمكالمتي للأخصائي، كنت نسيت أن طبيبًا عليه أن يهاتفني. كانت الجمعة الثانية لحظر التجول توشك على الانتهاء. اتصل بي رقم غريب في الثامنة مساءً، أخبرني أنه طبيب بالأمانة العامة للصحة النفسي، وسألني إن كان التوقيت مناسبًا. كان صوته مهذبًا، وبدأ في تقديم نصائح لي للقضاء على القلق أولها تحديد الشعور بدقة إن كان زهق أو قلق، ملل أو خوف، لأن المشاعر تختلط علينا وقت الأزمات.
عندما علم أنني صحفي ومطالب بمتابعة الأخبار، طلب مني أن يكون ذلك مقتصرًا على عدد ساعات العمل. أخبرني أن الإصابة بالتوتر من متابعة الأخبار يمكن أن تسبب آلامًا جسمانية وضعف التركيز، وهو ما يسبب الخوف.
نصحني للقضاء على القلق بتباعد الوقت الذي اضطلع فيه على الأخبار خصوصًا انتشار «كورونا، ليكن مرتين في اليوم فقط. مع ممارسة الرياضة في المنزل، ويمكنني الاستعانة بفيديوهات لممارسة الرياضة من على يوتيوب.
قبل أن ينهي مكالمته، نصحني بالقراءة. «من الأفضل لك أن تقرأ الروايات أو القصص للخروج من المزاج العام والدخول في عالم آخر، حتى ينتهي ذلك الكابوس العالمي»، وضحك.
بعد أيام من مكالمتنا، صرت أكثر وعيًا بالخوف. لم تنته نوبات ضيق التنفس لكنها اقتصرت على المجيء عند الإطالة في قراءة الأخبار أو مرور عدة أيام دون ممارسة الرياضة.
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
أعرف أكتر