يوتوبيا للواقعيين: ماذا عن أموال مجانية للجميع؟
 
 

تضعنا الأزمات الكبرى، مثل التي نعيشها اليوم بفعل وباء كورونا المستجد «كوفيد-19»، أمام الأشباح التي حاولنا كثيرًا أن نتجاهلها. بعض أشباح هذه المرة تتعلق بـ«هشاشة» أغلب المصريين الاقتصادية. فبينما يستمر الاقتصاد في تحقيق معدلات نمو تتفاخر بها الحكومة، لا تصل أثار تلك المعدلات التوزيعية إلي أغلب المصريين. وبينما يستمر الإنفاق على الحماية الاجتماعية، تزيد معدلات الفقر.

يمكن القول إن للأزمات الكبرى ميزة وحيدة، فهي تجعل البشر وبفعل القلقيفكرون كثيرًا حول المستقبل وما يمكن أن يحمله من إمكانات مختلفة للبشرية. يكشف الوباء عن الهشاشة ليس بوصفها نتيجة عن الوباء، لكن بوصفها نتيجة لعالم ما قبل الوباء. هنا يمكننا أن نغتنم الفرصة لنتأمل في عالم ما قبل «كورونا» في محاولة لإصلاح عالم ما بعده.

اليوم، ومع تصاعد حدة الأزمة الاقتصادية التي أنتجها انتشار الوباء، بدأت الكثير من دول العالم في اعتماد حزم إنقاذ سريعة لمعالجة التباطؤ الاقتصادي. جزء مهم من تلك الإجراءات هو التحويلات النقدية غير المشروطة للمواطنين في هذا الوقت نتيجة توقف النشاط الاقتصادي. تختلف أشكال تلك التحويلات من بلد لآخر، لكن ما يربط بينها أن الدولة تعطي الآن مالًا مجانيًا غير مشروط لهؤلاء الذين أجبرهم الوباء على الجلوس في المنزل، أو الذين لا يمتلكون من المال ما يجعلهم قادرين علي مواجهة الأزمة الاقتصادية التي أنتجها الوباء.

تبدو تلك الفكرة شبيهة بالدخل الأساسي المعمم (Universal Basic Income) إلى حد كبير، وهو ما يجعلنا نفكر كيف تسرع مثل تلك الأزمات الطارئة من تطبيق الأفكار الموجودة بالفعل؟ على محرك بحث جوجل، تزايد الاهتمام بالدخل الأساسي المعمم بشكل ملحوظ في الفترة الأخيرة. يريد الكثير من الناس في الوقت الحالي أن يعرفوا أكثر عن تلك الفكرة. حتى في أوساط الاقتصاديين، بدأت الفكرة في الرواج مرة أخري بفعل الأزمة. كتب محمد العريان، الخبير الاقتصادي، على فيسبوك أن «أكثر المدافعين المتفائلين عن الدخل الأساسي المعمم لم يكونوا ليتوقعوا أن تصبح أفكارهم موضع اختبار بتلك السرعة، الأزمة الاقتصادية الحالية خلقت الفرصة للمدافعين عن الدخل الأساسي المعمم لاختبار أفكارهم بشكل جدي». كما أبدى محمود محيي الدين، وزير الاستثمار المصري الأسبق والنائب الأول لرئيس البنك الدولي الحالي، تأييده لفكرة الدخل الأساسي المعمم من أجل مواجهة الأزمة الحالية، بدأت إسبانيا بالفعل في مناقشة اقتراح حكومي بدخل معمم لجميع المواطنين، حيث صرحت وزيرة الشؤون الاقتصادية بأن الحكومة تفكر في إعطاء دخل ثابت شهريًا للعائلات من أجل مواجهة الآثار الاقتصادية لـ«كورونا».

هذا المقال مبني بالأساس على حوار أجريته مع ثلاثة باحثين اقتصاديين، نحاول فيه أن نفكر معًا حول الدخل الأساسي المعمم في الحالة المصرية. مثلت الأزمة الاقتصادية واستجابة الدول لها نقطة الانطلاق لهذا الحوار. في الدول الغنية التي تمتلك منظومة حماية اجتماعية واسعة وأشكال مختلفة منها مثل التأمين الاجتماعي والصحي وإعانات البطالة، كان التدخل لإعطاء الناس المال المجاني ضروريًا. فكيف يمكن أن يكون الوضع على الفئات الأفقر في دولة لا تتمتع بقدرات كبيرة في توفير الحماية الاجتماعية في الأوقات الاعتيادية ، فما بالكم بوقت الأزمة؟

في هذا الحوار، نسعى لأن نقدم أفكارًا حول الخروج من هذا الوضع الهش، نستعير من هنا وهناك الأمثلة والأفكار، لا من أجل الاستعراض، ولكن للتفكير في إمكانية تطبيق ما يسمي بـ«الدخل الأساسي المعمم»  في مصر. نحاول أن نطرح سؤالًا كبيرًا في هذا الحوار، ونناقش الفرص والتحديات لتطبيق الفكرة في مصر.

أموال مجانية؟

فكرة الدخل الأساسي المعمم ليست وليدة اللحظة الحالية، ولكن لها تاريخ طويل يعود إلى القرن التاسع عشر تقريبًا، وحتى القرن العشرين في أفكار مثل الضريبة السالبة على الثروة التي اقترحها الاقتصادي النيوليبرالي الأشهر ميلتون فريدمان1. حتى في السنوات الأخير، دفع عمالقة وادي السيليكون من أمثال «مارك زوكربيرج»، و«بيل جيتس»، وغيرهم، في اتجاه حتمية تبني الفكرة كحل أخير لمعضلة الرأسمالية، والتي تتزايد بفعل الأتمتة المتزايدة للكثير من الوظائف. يقترح هؤلاء ضريبة على الأتمتة تدعي «robot tax»، وهي ضريبة تفرض على المصانع والشركات التي سوف تتجه للاعتماد على التكنولوجيا من أجل تمويل دخل معمم لجميع أفراد المجتمع.

يختلف الدخل الأساسي المعمم عن التحويلات النقدية، فغالبًا ما تُصمم برامج التحويلات النقدية مثل «تكافل وكرامة» لتستهدف الفئات الأكثر فقرًا في المجتمع، بينما الفكرة من الدخل الأساسي المعمم أن يستهدف جميع المواطنين في نطاق الدولة. غالبًا ما تقع برامج الحماية الاجتماعية التي تعتمد على الاستهداف في أخطاء الإدارج والإبعاد كما أن تكلفتها الإدارية والمعلوماتية كبيرة. ربما يفسر ذلك، بشكل جزئي، ميل الكثيرين لفكرة الدخل الأساسي كبديل عن نظم الحماية الاجتماعية التي تعتمد على الاستهداف.

يرى أسامة دياب، الباحث الاقتصادي بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن الدخل الأساسي المعمم هي فكرة حتمية في مستقبل الرأسمالية. يضيف أنه «طرحت أشكال الحماية الاجتماعية المختلفة خاصة تلك المتعلقة بمعاشات التقاعد لأول مرة بعد الثورة الفرنسية، وقتها رآها الناس دربًا من الجنون، فلا يمكن أن نعطي مالًا مجانيًا للبشر، لكن الآن تلك المنظومات راسخة وجزء من العقد الاجتماعي في كل دول العالم تقريبًا، لذلك أرى أن الأجر المعمم هو شيء حتمي في المستقبل الاقتصادي للبشرية كلها».

علي الرغم من تلك الحتمية، هناك اعتراضات كثيرة على الفكرة. أحد أبرز الاعتراضات هو أزمة عرض العمل. إذا أعطينا الناس مالًا مجانيًا، فإن ذلك سوف يقود لإحجام هؤلاء عن الدخول لسوق العمل.

لكن لم تظهر التجارب المختلفة، التي أجريت في كثير من الدول سواء الحديثة منها أو القديمة في فترات الستينات والسبعينات، أن تراجعًا كبيرًا قد حدث في إقبال الناس على الدخول لسوق العمل. في أحيان كثيرة، يكون النقص الضئيل في عرض العمل ناتجًا عن تفضيل الناس لعدد ساعات عمل أقل، مقابل التركيز على تربية الأبناء، لكنهم لم يمتنعوا كليًا عن الدخول لسوق العمل، لأن المبلغ الشهري المحول لهم ليس كافيًا لتلبية كل الاحتياجات المعيشية.

 الاعتراض الثاني الأهم يتعلق بالخوف من معدلات التضخم. تقول سلمى حسين، الباحثة الإقتصادية في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية إنه «في الكثير من التجارب التي تمت على الدخل المعمم، كانت هناك زيادة في الإنتاج في المجتمعات المحلية، في قرى الهند وإفريقيا زادت مساحة الأراضي المزروعة». في تلك التجارب، كان النمو في الإنتاج على المدى الطويل مدفوعًا بالطمأنينة التي يصبح عليها المنتجون حين تزيد القدرات الشرائية للمواطنين، وذلك يدفعهم لزيادة الإنتاج وإعادة التوازن للعرض في مقابل الطلب المتزايد، مما يعني أن مخاوف التضخم هو مخاوف قصيرة الأجل فقط.

هناك سبب إضافي كذلك يجعل من تأثير الدخل المعمم على التضخم محدودًا خاصة إذا تم تمويله من الضرائبلأن الآلية التي يعمل بها الدخل هو توزيع القدرة الشرائية الكلية للمجتمع، أي توزيع الاستهلاك الكلي للمجتمع على عدد أكبر من البشر بشكل أكثر عدالة. فمن شأن تمويل الدخل المعمم من نظام ضريبة دخل تصاعدي أن يقلل من القدرة الشرائية للفئات الأغنى لأن السيولة النقدية تقل معهم، مقابل تحويل تلك السيولة للشرائح الأفقر التي تزيد مع الوقت قدرتها على الاستهلاك، خاصة في السلع الرئيسية المتعلقة بالغذاء والسكن والتعليم، ما يخلق مع الوقت تحول إيجابي في الأنماط الاستهلاكية في الاقتصاد حيث يزيد استهلاك السلع الأساسية في مقابل السلع الكمالية

من أجل التمويل.. ابحث عن الضرائب  

المعوق الأساسي لتطبيق الدخل المعمم في مصر هو النظام الضريبي، بجانب سيادة اللارسمية بشكل كبير في الاقتصاد. يقول بيشوي مجدي، الباحث الاقتصادي المستقل، إن «هناك تجارب كثيرة لأشكال مختلفة من الأجر العالمي الثابت، بدأت تلك التجارب في السبعينات في كندا والولايات المتحدة، وكانت ضمن برامج مرشحين رئاسيين في تلك الفترة2، حاليًا في أونتاريو كندا وفي الهند وأوغندا هناك تجارب أخرى. هناك أيضًا أشكال مختلفة للدخل الأساسي المعمم، لكن الشكل الأكثر انتشارًا هي التحويلات النقدية شهريًا أو سنويًا لكل المواطنين. الفكرة وراء التحويل لكل المواطنين وليس للفقراء فقط هو أن النظم الضريبية في دولة الرفاهة قادرة على استرجاع قيمة الدخل من الفئات الأغني في المجتمع، لأنها تمتلك نظم ضريبة كفؤة تقوم على مبدأ التكامل بين المنافع والضرائب».

يضيف بيشوي أن «فكرة الاسترجاع تلك في غاية الأهمية وهو ما يجعل دول الرفاهة الاجتماعية التي تمتلك منظومات ضريبية أكثر كفاءة في وضع أفضل إذا فكرت في تطبيق سياسة الدخل المعمم. في حال الدول التي تتميز بالتكامل بين منظومتي الضرائب والمنافع (Tax-Benefit model)، أي قدرة النظام الضريبي على استهداف الأغنياء بالضرائب التصاعدية على الدخل والأرباح، والضرائب الموجهة للشرائح الأغنى مثل ضريبة الثروة والتركات، يأخذ التفكير في تمويل الدخل المعمم الطريق الضريبي. لكن في مصر، هناك غياب لهذا التكامل وكفاءة متدينة للجهاز الضريبي والذي يفسر اعتماد مصر على الضرائب غير المباشرة كالقيمة المضافة. تلك الكفاءة الغائبة في النظام الضريبي المصري لها عدة أسباب أهمها سيادة النمط الاقتصادي غير الرسمي».

يعد انتشار أنماط العمل غير الرسمي، واللارسمية بشكل عام في الاقتصاد، عائقًا أمام التفكير في الدخل الأساسي المعمم، ولكنه يعزز في نفس الوقت من الحاجة إليه لأن انتشار اللارسمية يعني هشاشة اقتصادية أكبر في سوق العمل المصري، وفشل مستمر لبرامج الحماية الاجتماعية التي تعتمد على الاستهداف المباشر للفقراء، مثل برامج «تكافل» و«كرامة» التي تطبقها الحكومة المصرية. ذلك الفشل المستمر في برامج الحماية القائمة على الاستهداف يرجع لعوامل متعددة أهمها أخطاء الإدراج، والتي تجعل أشخاص غير مستحقين يحصلون علي تلك التحويلات، أو أخطاء الإقصاء والتي ترتبط بصعوبة إثبات الدخل. أيضًا تلعب التكلفة الإدارية الكبيرة والصعوبات البيروقراطية، والعوامل الاجتماعية مثل الخوف من الوصم بالفقر الذي يمنع الكثيرين على التقدم لمثل تلك البرامج أدوارًا كبيرة في جعل تلك البرامج أقل كفاءة مع مرور الوقت حتى مع توسيع أعداد المستفيدين منها.

لكن، وبما أننا في مصر لا نمتلك نظامًا ضريبيًا يحقق التكامل بين المنافع والضرائب، فقد نميل لزيادة الضرائب غير المباشرة كضريبة القيمة المضافة من أجل تمويل الدخل المعمم لكل المواطنين أو على الأقل لفئات واسعة من المجتمع. هنا تطرح فكرة أن يتم تمويل الدخل الأساسي من خلال زيادة قيمة ضريبة القيمة المضافة، وهو مقترح موجود بالفعل على برنامج المرشح السابق في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي «أندرو يانج»، والذي بني حملته كلها على فكرة الدخل الثابت.

لا يتفق أسامة دياب، الباحث بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، مع ذلك ويرى أنه «في حالة مصر لا يمكن الاعتماد على ضريبة القيمة المضافة في تمويل مثل تلك الاقتراحات، فتلك الضريبة حاليًا 14%، وهذا معدل مرتفع في ظل ضعف الاستهلاك وزيادة معدلات الفقر». يشير كذلك إلى أن القيمة المضافة موجودة لتعويض تشوهات هيكلية في النظام الضريبي، حيث تمثل حصيلة القيمة المضافة ما يقرب من 50% من الحصيلة الضريبية في مصر والتي بدورها تمثل نسبة متدنية جدًا من الناتج المحلي (حوالي 14%). يعني ذلك أنه إذا أردنا أن نبحث عن تمويل لبرامج حماية اجتماعية مثل الدخل الأساسي المعمم فإن علينا أن نجد مصادر ضريبية أخرى خاصة الضرائب على الدخل ورأس المال والثروة.

يرى أسامة أن هناك فرصة جيدة لتنفيذ برنامج للدخل الأساسي المعمم في مصر، لأن معدلات التحصيل الضريبي في مصر منخفضة للغاية كنسبة من الناتج المحلي، وبالتالي هناك مساحة لزيادة الحصيلة الضريبية عن طريق ضرائب أخرى على الدخل والثروة على العكس من دول الرفاهة التي ترتفع فيها معدلات التحصيل الضريبي إلى 30-40% من الناتج المحلي، بالتالي فإن مساحة المناورة لديهم لزيادة حصيلة الضرائب محدودة.

بالإضافة لذلك، فإن ما يجعل هذا الشيء حتميًا في العالم، كما في مصر، هو التراجع المستمر في معدل مشاركة قوة العمل (labor participation rate)، والذي يعبر عن نسبة قوة العمل أو الناشطين في البحث عن عمل من إجمالي عدد السكان فوق سن 15 سنة. معدل مشاركة قوة العمل في مصر حاليا 43.3%. هذا المعدل في مصر منخفض عن المعدل العالمي (60%)، وذلك لأسباب تتعلق بانخفاض مشاركة المرأة في قوة العمل عن المعدلات العالمية. يخبرنا هذا المعدل الضعيف أيضًا أن تقريبًا كل مواطن فوق سن الـ 15 سنة ملزم بإعالة مواطن آخر في سن العمل3.

لا تصنف سلمى حسين نفسها من المتحمسين كثيرًا لفكرة الدخل الأساسي المعمم، لكن في تلك الأزمة ترى سلمي أنه لا مناص من تطبيقها بشكل ما أو بآخر. تبرر ذلك قائلة إنه بما أننا في مرحلة «التخييش الاقتصادي»، فنحن على أعتاب أزمة كبيرة في الطلب الاستهلاكي في العالم كله ليس في مصر فقط. كثيرون فقدوا وظائفهم وبالتالي قدرتهم الشرائيةما يهدد بركود اقتصادي مستمر في العالم كله فيما تبقى من 2020. في مصر أيضًا، حيث منظومة الدعم والحماية الاجتماعية مهترئة بالأساس، فإن التأثير سوف يكون مضاعف. لذلك ترى في هذا الوقت أن الحديث عن الدخل المعمم هو شيء مبرر جدًا في العالم لأن الأزمة تفرض سرعة التدخل في دعم القدرات الاستهلاكية للبشر من أجل الخروج من الركود الاقتصادي الكبير. لكن يبقى سؤال التمويل. «حاليًا أعتقد أنه لا مجال لزيادة ضريبة القيمة المضافة من أجل ذلك، وحتى لو حدث فسوف يتحدث تراجع في الحصيلة المتوقعة من الضريبة لتباطؤ الاستهلاك بشكل عام. أعتقد أن الاقتراح الأكثر جدوى في الحالة المصرية هو ضريبة ثروة عاجلة لمرة واحدة بمعدل من 5-10 % وتستخدم حصيلة تلك الضريبة في تمويل الأجر المعمم أثناء الأزمة الحالية»، تقول سلمى.

يُتوقع أن تتأثر معدلات النمو الحالية في مصر بشدة بفعل الفيروس، ليس فقط لتأثر قطاعات السياحة والنقل وتباطؤ حركة التجارة العالمية، بل لتراجع الاستهلاك بفعل التعطل المتزايد في سوق العمل أو إجراءات تقليل الأجور التي اتخذت في القطاع الخاص المشغل الأكبر للعمالة في مصر. يشكل الاستهلاك العائلي في مصر 80% من الناتج المحلي. بالتالي، فإن أي تباطؤ فيه بفعل الأزمة من المتوقع أن يؤثر كثيرًا على معدلات النمو. كان ذلك جزءًا من خطة الحكومة والتي أعلنت عن ضخ 100 مليار جنيه كحزمة تحفيزية من أجل مواجهة الآثار الاقتصادية لـ«كورونا»، لكن تلك الحزمة المتواضعة والتي تغيب البيانات التفصيلية عن كيفية استخدامها حتى الآن، لا تبدو كافية لتحفيز نمو اقتصاد كبير كالاقتصاد المصري.

سيناريوهات محتملة لمصر

هناك سيناريوهات مختلفة عند التفكير في تطبيق الدخل الأساسي المعمم في مصر. كان صندوق النقد الدولي قد أصدر دراسة في 2017 يدرس فيها تأثير الدخل المعمم على الفقر واللامساواة في ثمان دول منها مصر. اعتمدت الدراسة على أرقام الفقر في مصر سنة 2012، والتي كان البنك الدولي يعتبرها في حدود 18%. في السيناريو الذي اقترحته الدراسة، كان التحويل السنوي لكل الأفراد يساوي 725 جنيهًا سنويًا (حوالي 60 جنيهًا شهريًا). بمعدلات التضخم المتراكمة منذ 2012 وحتى الآن، فإن هذا التحويل الشهري يبلغ حوالي 120- 140 جنيهًا حتى يصبح مساويًا لتقديرات الصندوق فقط . وبحسب تقديرات الصندوق، فإن ذلك قد يكلف 3.5% من الناتج المحلي في 2012، وينعكس إيجابيًا بانخفاض قدره 10.4% على معدلات الفقر ويحسن من حالة اللامساواة في الدخل. لكن الكثير من مؤشرات الاقتصاد المصري قد  تغيرت كثيرًا منذ 2012: زاد معدل الفقر من 18 % إلى 32.5%، وارتفع الناتج المحلي كذلك. بالتالي فهناك حاجة لسيناريوهات جديدة من أجل مصر في حال التفكير في الأجر المعمم.

هناك عدد من السيناريوهات المحتملة لتنفيذ الدخل المعمم وطرق تمويلها، نركز على اثنين منها. السيناريو الأول مستدام للأوقات العادية، أي ما بعد أزمة «كورونا»، والثاني عاجل للدخل المعمم في ظل أزمة «كورونا». تجدر الإشارة إلى أنه في كلا السيناريوين لا نستهدف طرح الدخل الأساسي المعمم كبديل عن الدعم الاجتماعي القائمة سواء الدعم السلعي أو منظومات المعاشات والتأمين الصحي للعاملين في الدولة والقطاع الخاص، لأن استبدال تلك المنظومات لا يحقق الهدف الأساسي من الدخل المعمم وهو توفير تحويل نقدي يغطي الاحتياجات الأساسية مما يساهم في حل الوضعية الهشة لسوق العمل المصري والمتمثلة في الأساس في سيادة اللارسمية وتدني الأجور، ويدفع في اتجاه إصلاحات اقتصادية واجتماعية أوسع

مبلغ 1000 جنيه شهريًا قد يكون كافيًا لتمويل دخل معمم للأفراد في مصر. اخترنا هذا المبلغ تحديدًا لأن مجموع تحويله سنويًا (12 ألف جنيه) يساوي حوالي 20% من متوسط الدخل السنوي للأسرة (58.9 ألف جنيه سنويًا بحسب بحث الدخل والإنفاق الأخير)، بما يتشابه مع الطريقة التي احتسب بها صندوق النقد الدولي مبلغ التحويل السنوي للأسر في عام 2012 (بنسبة 25 % من معدل الدخل السنوي). لكننا قررنا حساب 20% فقط مع مراعاة التغير في معدلات التضخم في السنوات الثماني الأخيرة. لكن تقدير الرقم لابد أن يخضع معادلات دقيقة لحساب تأثير المبلغ على شرائح الدخل والاستهلاك المختلفة وعرض العمل ومعدل التضخم، ويمكن أن يتفاوت بناءً علي التجارب التي تقوم بها الحكومة، إذا قررت تطبيق الفكرة

في السيناريو الأول، هناك ثلاثة اقتراحات أو احتمالات:

  1. أجر معمم للنصف الأفقر من السكان: يتطلب تمويل برنامج للدخل الأساسي المعمم في مصر بقيمة 1000 جنيه شهريًا ويصل لنصف السكان تقريبًا بإجمالي 600 مليار جنيه سنويًا، وهو رقم يبدو أنه ضخم للوهلة الأولي، حيث يمثل 70% تقريبًا من كل الحصيلة الضريبية المقدرة بنحو856 مليار للعام المالي الحالي. لكن هذا الرقم الضخم يمثل 10% فقط من الناتج المحلي الحالي. أي أنه بمعدلات الحصيلة الضريبية الحالية، والتي تصل إلى 14% من الناتج، فنحن نحتاج لزيادة الحصيلة بنحو 80% لتصبح عند مستوى التحصيل الضريبي العادي في الدول الأوروبية. إذن ما زال هناك هامش للحركة، ويمكن الوصول لتلك المستهدفات من خلال حزم ضرائب جديدة تشمل ضريبة دخل أكثر تصاعدية في الشرائح الأعلى من الدخل (التي تتجاوز مليون جنيه سنويًا)، ضرائب ثروة لمرة واحدة، ضريبة للأرباح الرأسمالية، ضريبة على التركات، وضريبة تصاعدية على العقار.

  2. أجر معمم للأسرة وليس الفرد: إذا قررنا تقليل حجم الاستهداف ليصبح دخلًا معممًا لكل الأسر وليس الأفراد، فنحن نتحدث عن حوالي 24 مليون أسرة في مصر، لكل أسرة 1000 جنيه شهريًا، أي حوالي 288 مليار جنيه سنويًا، وهي تكلفة مقبولة، ويمكن بسهولة الحصول عليها.

  3. أجر معمم للأسر الأفقر فقط: إذا قررنا أن نجعل برنامج الدخل المعمم موجه للأسر تحت خط الفقر والتي تمثل 32.5 % من عدد السكان، أي حوالي 32.5 مليون فرد، لو قسمنا هذا الرقم على متوسط عدد أفراد الأسرة في مصر والذي يصل إلى 4.04 فرد، فإننا نتحدث عن حوالي ثمانية مليون أسرة (هذا الرقم متفائل لأنه غالبًا ما تكون الأسر الفقيرة بها أفراد أكثر). بالتالي، فإن تكلفة إعطاء أجر معمم يساوي 1000 جنيه إلى ثمانية ملايين أسرة سنويًا تعادل حوالي 96 مليار جنيه سنويًا، وهو رقم ضئيل بالمقارنة بتكاليف أخرى في الموازنة العامة.

هذا السيناريو الأول يتطلب كثيرًا من الوقت في مصر، علي الأقل سنتين، من أجل حصر الثروة وجباية الضريبة. لكن في الحالة الاستثنائية الحالية، إذا أردنا التفكير في دخل معمم من أجل «كورونا»، فلا يبدو أن هناك مناص عن التمويل النقدي لذلك. ببساطة أن يطبع البنك المركزي الأموال اللازمة من أجل ذلك، حتى نمرر قوانين جديدة للضرائب وإصلاح أكثر شمولية للمنظومة الضريبية.

طباعة المال تبدو فكرة غير عملية للوهلة الأولي نظرًا لأنها قد تؤدي لتضخم، لكن أسامة يرى أنها في هذا الوقت تحديدًا قد تكون فكرة جيدة لأن كثيرين بالفعل تأثرت دخولهم بفعل الوباء، بالتالي فإن جزءًا كبيرًا من المال المطبوع قد يعوض الفاقد في تلك الدخول.

رجوعًا لسؤال التكلفة، ولو قررنا الالتزام بالاقتراح الثالث الذي يبدو واقعيًا كحل سريع لمواجهة الركود المحتمل، أي أن نعطي كل الأسر تحت خط الفقر 1000 جنيه شهريًا لمدة سنة، تصل تكلفة السنة إلي ما يقارب 96 مليار جنيه سنويًا. السؤال هل إضافة 96 مليار جنيه سنويًا من خلال البنك المركزي قد تؤدي لحدوث تضخم كبير؟

لنجيب على ذلك السؤال، يقترح أسامة أن نلقي نظرة على عرض النقود في الاقتصاد المصري في السنوات الأخيرة من خلال بيانات البنك المركزي. في يوليو 2019، كانت السيولة النقدية في الاقتصاد المصري 3.8 تريليون جنيه، زادت إلى 4.1 تريليون في يناير 2020. أي أنه في ستة أشهر، زادت السيولة 300 مليار ولم يؤد ذلك لزيادة معدلات التضخم، بل على العكس انخفض التضخم.

يمكن تفسير ذلك بأن معدل دوران النقود (velocity of money)، والذي يقيس عدد المرات التي تنفق فيها النقود على السلع والخدمات في مدة زمنية محددة، منخفض في مصر (في الغالب يتراوح حول 1.3 مرة في السنة). بالتالي، كلما قل معدل دوران النقود، فإن ذلك يقلل من إمكانية ارتفاع كبير في معدلات التضخم. يعزى الانخفاض في معدل دوران النقود في الاقتصاد المصري إلى ضعف الطلب الاستهلاكي، والذي يعبر عن حالة كساد مستمرة في الاقتصاد4. ولأنه من المتوقع أن تزيد حالة الكساد نتيجة أزمة «كورونا» الحالية، فإن طباعة الأموال قد تكون حلًا جيدًا. يمكن القول إن معدلات التضخم المرتفعة في الاقتصاد المصري في العشر سنوات الأخيرة كانت مرتبطة أكثر بارتفاع تكاليف الإنتاج منها بطباعة النقود. ولهذا نجد أن معدلات التضخم تستجيب بسرعة لارتفاع التكاليف خاصة، قرار التعويم ورفع الدعم عن الطاقة. لكن لكي نطبع النقود ولا يحدث تضخم، يتطلب الأمر دراسة اقتصادية، وحساب معادلات مختلفة تمكننا من معرفة كمية النقود التي يمكن أن يتحملها الاقتصاد بدون حدوث تضخم كبير5.

تعتقد سلمي حسين أن «هناك طريق بديل للتمويل العاجل للدخل الثابت المعمم في مصر، وهو التوقف المؤقت عن سداد القروض الأجنبية لمدة عام واحد حتى نصلح منظومة الضرائب في مصر لتمول هذا البرنامج». بحسب الموازنة الأخيرة، فإن مصر تحتاج إلى 51 مليار جنيه لسداد القروض الأجنبية هذا العام فقط، ذلك المبلغ يمكن أن يساهم في تمويل البرنامج على المدى القصير. كان صندوق النقد والبنك الدولي قد طلبا من دائني الدول الفقيرة التوقف عن تحصيل ديونها حتى تتمكن تلك الدول من توجيه الموارد لمحاربة «كورونا». 

أيضًا يمكن لتمويل هذا البرنامج بأن نعيد التفاوض حول الدين المحلي الكبير في مصر، والذي يأتي في أغلبه من البنوك الحكومية، أكبر مشترٍ لأذون وسندات الخزانة الحكومية. إعادة هيكلة الدين العام بالتفاوض مع البنوك الحكومية من أجل خفض سعر الفائدة وتمديد آجال سداد الديون إلى سنوات (10 أو 20 أو 35)، بدلًا من عدة أشهر (3، 6، 9 أشهر)، أى استبدال أذون الخزانة قصيرة الأجل بسندات طويلة الأجل.

في الموازنة الحالية، تمثل الفوائد علي أذون الخزانة حوالي 235 مليار جنيه، بينما تمثل الفوائد على السندات طويلة الأجل 129 مليار جنيه، أي أن الاثنين معًا يمثلان تقريبًا 364 مليار جنيه. إذا أخذنا متوسط معدل الفائدة الرسمي على السندات وأذون الخزانة، والذي يظهر في الموازنة العامة وهو 15.5 % كمؤشر على الفائدة، فإن كل 1% تخفيض في قيمة تلك الفوائد بالتفاوض مع البنوك يوفر حوالي 23 مليار جنيه للموازنة العامة. حتى بدون تقليل الفائدة، فإن زيادة أجال السداد وحدها يمكن أن توفر الكثير من الموارد لتمويل هذا البرنامج.

إذن يمكن أن نلحظ من السابق أن فكرة كالدخل الأساسي المعمم ليست خيالية كما قد يعتقد البعض في الحالة المصرية. بالطبع يمثل غياب الموارد الضريبية الكافية لتمويل مثل تلك البرامج مشكلة، لكن إصلاحات ضريبية في المستقبل من شأنها أن تجعل الفكرة قابلة للتطبيق. كل ما يتطلبه الأمر أن نتوقف عن دفن رؤوسنا في الرمال، ونواجه وحوشنا التي طالما حاولنا تجاهلها. ربما تمثل الأزمة الحالية تلك الفرصة لمصر والعالم، وربما لا، لا أحد يمكنه الجزم بشكل العالم فيما يلي أزمة «كورونا» الحالية، لكن المؤكد أن أفكار كهذه سوف تجد طريقها في النهاية لتتسرب إلى قلب الرأسمالية، وحينها قد نكون متأخرين كثيرًا.

هذا العنوان مستوحى من كتاب المؤرخ الهولندي راتجر بيرجمان Rutger Bregman والمعنون «Utopia for Realists». يتحدث راتجر في كتابه عن حتمية الاتجاه للدخل الأساسي المعمم بسبب الأتمتة المتزايدة والتي من المتوقع أن تخرج الكثيرين من سوق العمل.

1 تميل الاقتراحات النيوليبرالية فيما يتعلق بتطبيق الأجر العالمي الثابت أو الأشكال المختلفة منه لفكرة أن يستبدل هذا الدخل الأساسي المعمم منظومة الحماية الاجتماعية القائمة ( التأمينات الاجتماعيةالتأمين الصحي الشامل ) وغيرها من المنظومات المطبقة بالفعل في دول الرفاهة. ذلك الاقتراح يأتي في الغالب لتكلفة عمل تلك المنظومات الإدارية الكبيرة وتفتتها بشكل يجعل تكاليف دفعها مرتفعة، ومن ثم يصبح برنامج واحد للدخل الأساسي المعمم أقل تكلفة بكثير  في حالات كثيرة، لأنه لا يتضمن الكثير من الموظفين والباحثين الاجتماعيين لتقييم الحالات وبالتالي تكلفة أقل. لكن هذا الاقتراح يقوض الهدف المفترض في الدخل المعمم وهو توفير الطمأنة المفترضة اقتصاديًا للجميع من أجل البحث عن وظائف أفضل.

2 المرشح الرئاسي المقصود هو نيكسون، والذي أعلن أثناء حملته الانتخابية في 1968 عن برنامج لمساعدة الأسر الفقيرة في الولايات المتحدة يتضمن تحويلات نقدية تصل ل 1600 دولار سنويًا (10000 دولار بالأسعار الحالية)، قبل أن يقنعه مديرو حملته بالتراجع عن الفكرة، للمزيد : https://bit.ly/3c0VA5y 

3 معدل المشاركة في قوة العمل يختلف عن معدلات البطالة، فمعدلات البطالة تقيس الأشخاص المتعطلين والنشطين في البحث عن عمل، بينما يحسب معدل المشاركة في قوة العمل بقسمة عدد القوة العاملة على النسبة الفاعلة (نسبة السكان في سن العمل).

 4 يحسب معدل دوران النقود بقسمة  الناتج المحلي على السيولة النقدية،بالتالي كلما قل هذا الرقم فإنه يعبر على أن النقد لا يستخدم في شراء السلع لمرات متعددة في فترة زمنية محددة يعني ذلك أنه كلما قلت ذلك الرقم فإنه يقلل من احتمالية حدوث التضخم الناتج عن زيادة الطلب الاستهلاكي.

5 أحد المؤشرات الهامة في حساب كمية النقود المطلوبة هو قياس الميل الحدي للاستهلاك لدى شرائح الدخل المختلفة، بالتالي يمكننا ذلك من قياس التأثير المختلف لطباعة النقود على كل مجموعة من مجموعات الدخل في مصر

اعلان
 
 
محمد رمضان 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن