اجتاحت عاصفة فيروس كورونا «كوفيد-19» العالم كله كزلزال عنيف كشف الكثير من المشاكل في بعضٍ من أقوى النظم الصحية في العالم. وما زال العالم كله لا يعرف كيف سينتهي هذا الاختبار القاسي للإنسانية، ما زلنا جميعًا نتطلع ونأمل أن يقطع العلم خطوات سريعة لاكتشاف لقاح أو مصل أو دواء قادر على مواجهة هذا الفيروس الشرس، وإلا فستكون البشرية معرضة لمصارعته لمدد طويلة، بالمناعة الطبيعية لأجساد البشر، مدعومة بتعليمات بسيطة عن الوقاية أساسها النظافة الشخصية و التباعد الجسدي، حتى تصل مجتمعاتنا لما يسمى «مناعة القطيع» بعد عدد من الضحايا لا يعلمه إلا الله.
ينتظر البعض أن تنجلي هذه العاصفة حتى تعود الأمور لطبيعتها، ونعود جميعًا لحياتنا السابقة. ولكن هل نريد فعلًا أن نعود لحياتنا كما كانت؟ أم يجب أن نستفيد مما حدث، بعد أن كشف لنا الكثير من عيوبنا، لعلنا نحاول إصلاح ما نستطيع منها، لنكون أكثر استعدادًا لاختبارات الطبيعة القاسية، والتي تأتي فجأة لتعصف بالقشرة الآمنة الهشة التي يتصور البشر أنهم يعيشون بداخلها.
أعتقد أن الأمور لا يجب أن تعود إلى ما كانت عليه، لأنه يجب أن ننظر لأنفسنا في مرآة الوباء، ندقق النظر في عيوبنا المزمنة.. يصح هذا على مستوى البشرية جمعاء، كما يصح طبعًا على مستوى المنظومة الصحية في مصر.
إن مواجهة منظومتنا الصحية لـ«كورونا»، تكشف لنا وبشدة عيوبها المزمنة المعروفة وعلى رأسها: ضعف الإمكانيات الناتج عن عجز الميزانية المخصصة للصحة، وعشوائية التخطيط الصحي، وتفتت المنظومة الصحية بين العديد من القطاعات دون تنسيق بينها، وتراجع دور العلم والعلماء والبحث العلمي، والعجز في الأطباء والتمريض، والعجز في أسرة المستشفيات وأسرة العناية المركزة، وأخيرًا رفض التنسيق أو الاستماع لرأي وشكاوى مقدمي الخدمة الصحية.
دعونا نبحث كيف انعكست هذه العيوب المزمنة على مواجهتنا لأزمة الوياء.
لعلنا لم ننس بعد المعركة القوية التي خاضها المهتمون بأوضاع الصحة في مصر، حتى ينص الدستور بوضوح في المادة (18) على «ألا ينخفض نصيب الصحة عن 3% من الناتج القومي الإجمالي». هذا النص الذي لم يعمل به، وتم التحايل عليه بطرق عديدة منها ضم الإنفاق على الصرف الصحي ومياه الشرب لميزانية الصحة، وضم ما سمي بـ«نصيب الصحة من سداد الديون»، ليكون سدادها جزءًا مما أعتبر إنفاقًا على الصحة، وكانت النتيجة أن ميزانية الصحة في السنوات الأخيرة ما زالت أقل من 1.5% من الناتج القومي، أي أقل من نصف ما يحدده الدستور.
بالطبع أنتج هذا الضعف في التمويل ضعفًا في كل إمكانيات المستشفيات، بما فيها نقص عدد الأسرة، وضعف إمكانيات مكافحة العدوى والتدريب، وضعف رواتب الأطباء وأعضاء الفريق الطبي كافة. وها نحن نجني الثمار عندما يُطلب من نظامنا الصحي فجأة أن يقدم مستشفيات مجهزة منضبطة، يتوافر بها أطقم طبية مدربة كافية لمواجهة الأزمة.
حتى الـ 100 مليار جنيه التي خصصت لمواجهة أزمة كورونا، تقرر دعم «البورصة» منها فورًا بمبلغ 20 مليار جنيه. وبعدها بحوالي أسبوعين، وبعد التصاعد الرهيب لشكاوى الفرق الطبية من نقص وسائل الحماية في المستشفيات، ومطالبات نقابة الأطباء المتكررة والشارحة لأن ترك الأطباء والفرق الطبية تعمل دون وسائل حماية كافية في مواجهة جائحة عالمية معناه فقد لنسبة عالية من أعضاء فرقنا الطبية، والمساعدة على انتشار الفيروس بشكل واسع. بعد كل ذلك صدر قرار رئيس الوزراء بتوجيه مليار جنيه فقط لتوفير مستلزمات الحماية من العدوى للمستشفيات والفرق الطبية.
الحقيقة أنه حتى يومنا هذا لا يزال عجز مستلزمات الحماية يطل برأسه باستمرار، مع توجه المستشفيات إلى أن تلجأ للمتبرعين، وجمعيات المجتمع المدني لسد العجز سريعًا. وأنا إن كنت أسعد بكل صور التضامن المجتمعي في مواجهة كارثة عالمية ومحلية عاصفة، إلا إني أقلق جدًا من الطريقة العشوائية التي أصبحت السمة الغالبة لتغطية احتياجات أساسية، يتسبب أي نقص لها -حتى لو مؤقت لمدة يوم أو يومين- في المزيد من انتشار الوباء، مما يضخم الثمن الذي ندفعه سواء كتكلفة مادية أو كمعاناة مرضية وأرواح ضحايا.
لعل أكبر أمثلة عشوائية التخطيط الصحي في ما قبل انتشار «كورونا» قد تمثلت في البدء بتطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل، قبل العمل على توفير هيكل قوي للرعاية الصحية الأولية وأطباء طب الأسرة، وهم الأساس الذي لا يمكن أن يقوم بدونه التأمين الصحي. أما عشوائية التخطيط الصحي في مواجهة جائحة «كورونا» فتمثلت في الآتي:
نتيجة حزينة أخرى نجدها في المشهد الفاجع لرفض بعض القرى دفن أبنائها من ضحايا «كورونا». تجمهرهم بأعداد غفيرة في نفس الوقت لمنع الدفن خوفًا من العدوى، وهو مشهد يدل على الفزع الشديد المقترن بنقص فادح لأي معلومات عن طرق انتقال العدوى.
يعاني القطاع الصحي في مصر من تفتت رهيب بين قطاعات حكومية وخاصة، وبين تفتت داخل القطاع الحكومي نفسه بين مستشفيات وزارة الصحة والمستشفيات الجامعية التابعة لوزارة التعليم العالي، بالإضافة إلى مستشفيات تابعة القوات المسلحة وأخرى للشرطة وغيرها إلى قطاعات البترول والكهرباء والسكك الحديد. وإذا تحدثنا عن مستشفيات وزارة الصحة، فهناك المستشفيات العامة والمركزية والوحدات الصحية التابعة لمديريات الصحة، ومستشفيات التأمين الصحي، وهيئة الرعاية الصحية التابعة لنظام التأمين الصحي الشامل الجديد، وهيئة المعاهد والمستشفيات التعليمية، وأمانة المراكز الطبية المتخصصة، ومستشفيات المؤسسة العلاجية.
وإذا تذكرنا ما أشرنا إليه منذ قليل عن صدور وتنفيذ قرار من بعض مستشفيات أمانة المراكز الطبية المتخصصة معاكسًا لقرار مركزي من وزارة الصحة، لاستطعنا تصور درجة الصعوبة في وجود قواعد موحدة بين كل هذه القطاعات في تطبيق قواعد مكافحة العدوى، أو قواعد الاشتباه والتحويل لمستشفيات الحميات والصدر للتحليل، أو كيفية التصرف مع الفرق الطبية المتعاملة مع حالات مشتبه بها أو إيجابية لفيروس كورونا.
نضيف لذلك أننا لم نلمس وجود إدارة مركزية للأزمة، تستطيع أن تنفذ قراراتها عبر كل هذه التعقيدات الإدارية، لحل أي من المشاكل الموجودة بالفعل، مثل وجود احتياج ملح لمستلزمات الوقاية في بعض المستشفيات الجامعية، في حين أنها متوافرة نسبيًا في هذا الوقت لدى مستشفيات وزارة الصحة.
لم تلتزم الموازنة العامة بما نص عليه دستور 2014 من تخصيص 1% من الناتج القومي للبحث العلمي.
لم نلمس في أزمة، المفترض أنها تحتاج لجهود علمية جبارة لمحاصرة ومحاربة الفيروس، دورًا واضحًا أو بصمة مميزة لعلماء الميكروبيولوجي أو علماء الوبائيات أو علماء الصحة العامة في مصر. اقتصر الدور العلمي لأطبائنا في الأزمة على وضع بروتوكولات لمكافحة العدوى في المستشفيات، وتحديد الحالات المشتبه بها والأخرى الإيجابية، وهي بالأغلب مترجمة من بروتوكولات منظمة الصحة العالمية. هناك أيضًا الكثير من محاولات التوعية الصحية للمواطنين التي يقوم بها العديد من الأطباء المتطوعين، وبعض المحاضرات العلمية التي يقدمها العديد من الأطباء لإتاحة معلومات علمية ضرورية بخصوص مواجهة «كورونا» لزملائهم. يقدم الأطباء هذه الجهود كمبادرات شخصية من خلال صفحات التواصل الاجتماعي، أو من خلال التعاون مع نقابتهم.
وعلى الرغم من أهمية تلك المبادرات، فإن السؤال لا يزال قائمًا: أين إضافة العلماء في مصر؟ وهل أصبح جل جهدنا هو انتظار وترجمة الجهد العلمي لعلماء الغرب؟ أم أن ذلك الغياب ثمن طبيعي لضعف الإمكانيات وإهمال دور العلماء والبحث العلمي لعهود طويلة؟
بالطبع، لا شك في وجود العشرات بل والمئات من علماء مصر النابغين في المجالات كافة؛ وهؤلاء لا يبخلون بفكرهم أو جهدهم لدعم وطنهم وقت الشدة، ولكن، يبدو أن عهود من تهميش دور العلم والعلماء، وتقديم أهل الثقة على أهل العلم والخبرة، قد علمتهم فضيلة الصمت والبعد عن الأضواء، ودفعت للمقدمة أشخاصًا ليس لديهم ما يستطيعون تقديمه.
رغم تميز مصر بثروتها الهائلة في الجانب البشري، إلا أن التدني الشديد في الأجور بالإضافة لجملة السياسات الطاردة للأطباء مثل حملات الدعاية التي استمرت ضدهم طويلًا، وترك الظاهرة الشاذة للتعدي المعنوي والبدني على الأطباء والأطقم الطبية بالمستشفيات بلا مواجهة حقيقية، والتباطؤ غير المفهوم في إصدار قانون لمحاسبة الأطباء بشكل علمي عند الاتهام بالخطأ الطبي، والتعسف الإداري والتعاملات اليومية المهينة، كل ذلك دفع بعشرات الآلاف من الأطباء للإقدام على السفر للعمل خارج مصر، سواء بشكل مؤقت في دول الخليج وإفريقيا (حوالي 70 -80 ألف طبيب)، أو بشكل دائم في أوروبا وأمريكا (حوالي 20-30 ألف طبيب). أي أن هناك نحو 100-110 آلاف طبيب يعملون خارج الوطن، يتبقى لنا حوالي 120 ألف طبيب موزعون بين مختلف القطاعات الحكومية والخاصة، بمعدل 1.2 طبيب لكل ألف مواطن. في حين أن المتوسطات العالمية تضع أقل حد مقبول هو طبيبين لكل ألف مواطن، و يزداد العجز أكثر في تخصصات التخدير والطوارئ والعناية المركزة. نفس المؤشرات نجدها بصورة أوضح في التمريض حيث تشير الأرقام إلى وجود ممرضتين لكل ألف مواطن (نصف الحد الأدنى المقبول عالميًا).
أنتجت ظروف ضعف الأجور بالإضافة للعجز في الأطباء و التمريض المؤهل للتدخلات الحرجة، أن كل منهم أصبح يعمل في وظيفتين أو ثلاث، سواء حكومية أو خاصة، حتى يجمع من كل هذا ما يكاد يعتبر دخلًا معقولًا. طبعًا لم يُلتفت للمقترحات التي تقدمت بها نقابة الأطباء مرارًا لطلب أجرًا عادلًا للطبيب في مقابل التفرغ للعمل في مكان واحد، واستمر هذا الوضع الغريب لينتج ضمن ما أنتج من عيوب كثيرة، سهولة انتقال العدوى بين العديد من المستشفيات التي يعمل بها نفس مقدم الخدمة الطبية، لتبدأ محاولات جهات العمل حاليًا لمنع أطبائها من العمل الخاص. وبهذا سيكون على شباب الأطباء أن يتحملوا بالإضافة لمخاطر عدوى «كورونا» لأنفسهم ولأسرهم، وتوترات المواجهة الدائمة مع الموت، سيكون عليهم تحمل انخفاض دخلهم إلى نحو 2600 -3000 جنيه شهريًا، وهو الرقم الذي وصل له الدخل الحكومي بعد الزيادة الأخيرة التي أقرها رئيس الجمهورية.
نتج عن السياسات التقشفية في مجال الصحة انخفاض أسرة القطاع الحكومي لحوالي 100 ألف سرير (سرير واحد لكل ألف مواطن)، بالإضافة إلى 29 ألف سرير في القطاع الخاص، لترتفع النسبة الإجمالية لـ 1.3 سرير لكل ألف مواطن، بما يعني أننا أقل من نصف المتوسط العالمي (2.9 سرير لكل ألف مواطن).
أما إجمالي أسرة العناية المركزة في القطاعين الحكومي والخاص فهي 10.300 سرير، أي أكثر قليلًا من سرير لكل مائة ألف مواطن، يؤخذ في الحسبان أن هناك نسبة قدرت بالربع من أسرة العناية الحكومية لا تعمل لعدم وجود تمريض مدرب لتشغيلها، لذلك دعونا ندعو الله ألا تأخذ عدوى «كورونا» ببلادنا منحنى مشابه لما حدث في أوروبا أو أمريكا، لأن النتيجة حال حدوث هذا ستكون كارثية.
التعامل المعتاد للسلطات المسؤولة عن الصحة في بلادنا، هو أنها بالأغلب تستفز إذا ما حاولت النقابات الممثلة لقطاعات مقدمي الخدمة الصحية أن تناقش أو تطلب تعديل أو حتى تقترح أي ما قد يعتبر اعتراضًا على قرار تنفيذي ما للسلطات الصحية. ورغم أن جائحة «كورونا» تمثل تحديًا كبيرًا لكل الشعوب، مما يقتضي درجة أعلى من المرونة، ويحتاج للتشاور والتعاون، بين كل قطاعات المجتمع وأجهزة الدولة، إلا أنه من الملحوظ أن شكاوى ومبادرات ومقترحات نقابة الأطباء -الممثلة للقطاع المتحمل للعبء الأكبر من الأزمة وخطرها- تلقى بالأغلب تجاهلًا تامًا، حيث لم يحظ مقترحًا واحدًا للنقابة برد رسمي أو حتى نقاش جاد، يعكس الحالة المطلوبة للتوحد أمام الأزمة، فكيف نتوقع حال مقدمي الخدمة، الذين تصدح بعض الأغاني بتحيتهم، ولكن لا يتم التعامل بجدية مع أي من مشاكلهم أو مقترحاتهم؟ وهل هذا هو التعاون الذي نتمنى أن نعبر به الأزمة؟
لاحظ الكثيرون أن شراسة الفيروس في بلادنا أقل كثيرًا من شراسته في أوروبا وأمريكا والصين، فهل هي درجات الحرارة الأعلى؟ أم نوع التطعيمات التي تلقيناها؟ أم التركيبة العمرية الأكثر شبابًا للمجتمع المصري؟
لا أحد يملك الإجابة العلمية حتى الآن و لكنها بالطبع رحمة الله ببلادنا.
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
أعرف أكتر